الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
388
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تبارك وتعالى لم يختر رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يصطفه لشرف الإسراء والمعراج إلا بعد أن اختبر استعداده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهذا الشرف ولياقته لهذا المقام ، فالله تبارك وتعالى سمع قول رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ورأى عمله وسلوكه فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره له في الإسراء والمعراج . واحتمل بعض المفسرين في قوله تعالى : إنه هو السميع البصير أن يكون تهديدا لمنكري هذا الإعجاز ، وأن الله تبارك وتعالى محيط بما يقولون وبما يفعلون ، وبما يمكرون ! وبالرغم من أن هذه الآية تنطوي على اختصار شديد ، إلا أنها تكشف عن مواصفات هذا السفر الليلي " الإسراء " الإعجازي من خلال ما ترسمه له من أفق عام يمكن تفصيله بالشكل الآتي : أولا : إن تعبير " أسرى " في الآية يشير إلى وقوع السفر ليلا ، لأن " الإسراء " في لغة العرب يستخدم للدلالة على السفر الليلي ، فيما يطلق على السفر النهاري كلمة " سير " . ثانيا : بالرغم من أن كلمة " ليلا " جاءت في الآية تأكيدا لكلمة " أسرى " إلا أنها تريد أن تبين أن سفر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد تم في ليلة واحدة فقط على الرغم من أن المسافة بين المسجد الحرام وبيت المقدس تقدر بأكثر من مائة فرسخ ، وبشروط مواصلات ذلك الزمان ، كان إنجاز هذا السفر يتطلب أياما بل وأسابيع ، لا أن يقع في ليلة واحدة فقط ! ثالثا : إذا كان مقام العبودية هو أسمى مقام يبلغه الإنسان في حياته ، فإن الآية قد كرمت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بإطلاق وصف العبودية عليه ، فقالت " عبده " للدلالة على مراقي الطاعة والعبودية التي قطعها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لله تبارك وتعالى حتى استحق شرف " الإسراء " حيث لم يسجد جبين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لشئ سوى الله ، ولم يطع ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما عداه ، وقد بذل كل وسعه ، وخطا كل خطوة في سبيل مرضاته